الشيخ محمد رضا مهدوي كني
270
البداية في الأخلاق العملية
العمل غير العبادي والمباح لو جرى بقصد القربة لأخذ طابع العبادة واستحق
--> - العناوين القصدية هي العناوين التي لا تتحقق بدون قصد وعناية خاصة كاحترام الاشخاص ، والاقتداء في صلاة الجماعة ، والوضوء ، والغسل ، والصلاة الخ . فاحترام الأشخاص مثلا لا يكفي فيه السّلام والنهوض ، فقد يراد بالسلام والقيام الاستهزاء أحيانا ولا يلاحظ فيه الاحترام . فالسلام والقيام لا يعبّران عن الحب والاحترام إلّا إذا كانا بقصد الاحترام . كذلك الأمر في الاقتداء بصلاة الجماعة ، إذ لا يتحقق الاقتداء بمجرد الاشتراك في الجماعة ، بل لا بد من وجود قصد الاقتداء بامام الجماعة . وينطبق ذلك على الوضوء والغسل والصلاة ، حيث لا يكفي مجرد أداء هذه الاعمال ، بل لا بد من وجود القصد فيها جميعا . اذن لا بد من وجود النية - بمعنى قصد عنوان العبادة - في جميع هذه الاعمال والعبادات . والنية بمعنى الداعي والباعث على العمل ، فهي تعني على سبيل المثال ان الانسان حينما يقوم للصلاة يثار السؤال التالي : ما هو الباعث على الصلاة ؟ أو حينما ينهض الطالب احتراما لأستاذه يطرح هذا السؤال : لماذا يحترم الأستاذ وما هو الباعث على ذلك ؟ وهكذا الامر بالنسبة لسائر الاعمال والعبادات . وصفوة القول هي انّ البحث يدور حول الباعث الحقيقي الذي يدفع الانسان نحو العمل . فهل يمارس هذا العمل العبادي عن اخلاص وصدق أم انّه يقوم به انطلاقا من الرياء والتظاهر وسائر الأهداف الدنيوية والنوازع غير الإلهية ؟ وهل يحترم الأستاذ بدافع من مراعاته لحرمته وعرفانه بحقوقه أم بدافع من التملق والتزلف ومحاولة اخذ درجة جيدة منه ، أو لكي يصطبغ على الأقل بصبغة الجماعة ؟ ثم هل المساهمة في صلاة الجماعة بهدف الإطاعة للّه والانصياع لأوامره والحفاظ على وحدة المسلمين ، أم من اجل التظاهر ، والنفاق والتجسس لا سمح اللّه . وعلى ضوء هذه المقدمة لا بد لنا أن نعلم بأنّ النية في كلا المعنيين ، مقوّمة للأعمال والعبادات . وما ورد في كتب الفقه والاخلاق حول اعتبار النية في العبادات ، المراد به كلا معنيي النية . ولذلك نرى الفقهاء يقولون : « النية هي القصد إلى الفعل مع كون الداعي أمر اللّه تعالى » ( العروة الوثقى ، كتاب الطهارة ) ، اي انّ النية هي قصد عنوان العمل مضافا إليها باعث إطاعة امر اللّه . ويجب ألا يكون لدى الانسان أي باعث على أداء الاعمال سوى طاعة اللّه والتقرب اليه . والامر الآخر الجدير بالاهتمام هو ان ما قيل في مطلع البحث حول النية ، يشمل كلا البعدين ، اي القصد والباعث . فخلقيات المرء مؤثرة في انتخاب عناوين الاعمال وتنوعها ، وفي البواعث وتنوعها أيضا . ويصدق المثل المعروف « الاناء ينضح بما فيه » على الموردين . اي ان انتخاب مثل هذه العناوين بمثل هذه الدوافع ، متأثر بملكات الانسان الخلقية . فالانسان المادي ينظر للصلاة من منظار الرياضة والتمرين الجسمي ، في حين ينظر إليها المؤمن من خلال المنظار العبادي والملكوتي ، ويتصور ان لكل من شرائط الصلاة وأركانها وأفعالها وأذكارها ، اسرارا معنوية وماورائية .